أحمد بن يحيى العمري

185

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

السحاب لم يعبأ بنواله ، واستقر له استقرار الجبل لا يعن بزواله ، وجاء في عصر مشعشع بالأولياء ، وزمان مترعرع بمواليد الأتقياء ، وكان دونهم مدلى اللهب ، ومواطئ أقدام طائفته منها على أرض من الذهب ، ورأوا النار بردا وسلاما فاقتحموها ، وخاصموا ألسنتها وألجموها ، إلى نهش الأفاعي وقد لفح سمومها ، ونفح كالشرار سمومها ، يأكلونها أكلا لمّا ، ويحبونها حبا جمّا . هذا وشأن أشياعه حجب العنا ، وطل العنا ، وغير هذا مما ابتدعوه ، وابتدوه ، ونسبوه إليه وشنعوه ، مما لم يكن عليه ، ولا يمكن أن ينسب إليه . كان - رضي الله عنه - رجلا صالحا ، فقيها ، شافعي المذهب . قدم أبوه العراق ، وسكن البطائح « 1 » بقرية يقال لها : " أم عبيدة " - بفتح العين - ، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد ، ورزق منها الشيخ أحمد ، وإخوته . وكان أبو الحسن مقرئا يؤمّ بالشيخ منصور ، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد ، فربّاه خاله منصور ، فقيل : إنه ولد في أول المحرم سنة خمسمائة « 2 » . ونشأ أحسن نشأة ، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء ، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه . والطائفة المعروفة بالرفاعية ، والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه . ولأتباعه أحوال عجيبة ، من أكل الحيّات وهي حيّة ، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها ، ويقال : إنهم في بلادهم يركبون الأسود ، ومثل هذا وأشباهه ، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعدّ ، ولا يحصى ، ويقومون بكفاية الكل .

--> ( 1 ) البطائح : بفتح الباء الموحدة ، والطاء المهملة ، وبعد الألف ياء مثناة من تحتها ، ثم حاء مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء ، بين واسط والبصرة ، ولها شهرة بالعراق . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 172 . ( 2 ) تاريخ الإسلام للذهبي وفيات سنة ثمان وسبعين وخمسمائة - ص 248 و 249 .